عبد القادر الجيلاني

8

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

أضع علمي فيكم إلّا لعلمي بكم ، ولم أضعه فيكم لأعذّبكم ، انطلقوا إلى الجنّة فقد غفرت لكم » « 1 » . والحمد للّه ربّ العالمين على كلّ حال ، الّذي جعل الجنّة الدّرجة حظّا للعابدين ، والقربة للعارفين . أمّا بعد : فلمّا خلق اللّه روح محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أوّلا من نور جماله كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « خلقت محمّدا أوّلا من نور وجهي » « 2 » . وكما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أوّل ما خلق اللّه روحي ، وأوّل ما خلق اللّه نوري ، وأوّل ما خلق اللّه القلم ، وأوّل ما خلق اللّه العقل » « 3 » . والمراد منهم شيء واحد وهو الحقيقة المحمّديّة ، لكن سمّي نورا لكونه صافيّا عن الظّلمانيّة الجلاليّة كما قال اللّه تعالى : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ [ المائدة : الآية 15 ] . وعقلا لكونه مدركا للكلّيّات . وقلما لكونه سببا لنقل العلم ، كما أنّ القلم سبب نقل العلم في عالم الحروفات ؛ فالرّوح المحمّديّ خلاصة الأكوان ، وأوّل الكائنات وأصلها كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أنا من اللّه ، والمؤمنون منّي » « 4 » . فخلق منه الأرواح كلّها في عالم اللاهوت في أحسن التّقويم الحقيقيّ ، وهو اسم حجلة الأنس في ذلك العالم ، وهو الوطن الأصليّ . فلمّا مضى عليها أربعة آلاف سنة خلق اللّه العرش من نور عين محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وبواقي الكلّيّات منه ، فردّت الأرواح إلى درك أسفل الكائنات - أعني الأجساد - كما قال اللّه تعالى : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) [ التّين : الآية 5 ] - يعني أنزلهم أوّلا من عالم اللاهوت إلى عالم الجبروت ، وألبسهم اللّه تعالى بنور الجبروت كسوة بين الحرمين - وهو الرّوح السّلطانيّ - ثمّ أنزلهم بهذه الكسوة إلى عالم الملكوت ، ثمّ كساهم بنور الملكوت - وهو الرّوح الرّوانيّ - ثمّ أنزلهم إلى عالم الملك وكساهم بنور الملك

--> ( 1 ) رواه الروياني في مسنده ( 1 / 353 ) ، والطبراني في الأوسط ( 4 / 302 ) . ( 2 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ ، وأورده ابن عراق في تنزيه الشريعة ( 1 / 337 ) . بلفظ : « خلقني اللّه من نوره » . ( 3 ) رواه أبو داود ( 4700 ) . ( 4 ) رواه الديلمي في الفردوس كما في كشف الخفاء ( 1 / 237 ) ، والقاري في الأسرار المرفوعة ( ص 119 ) .